أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

195

التوحيد

يوصف بعصمة ولا توفيق ، فحصل اختلافهم على تسميته قوة أو لا ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم الأصل عندنا في المسألة أن وجود الفعل ولا قوة لمن له الفعل عليه يبطل معنى الفعل ويصرفه إلى غيره ، وكذلك وجود الفعل ممن هو جاهل به ، وهو غير جائز ، ثم كان الخطاب لازما بسبب العلم ، وإن لم يكن حقيقته مما لو طلب يظفر به ، فكذلك القدرة ، والفاجر بالذي لا يلزمه الكلفة لفوت ما به يطاق به ، كما لا يلزم المجنون لفوت ما يعلم ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم نذكر ما ذكره الكعبي مما يبين وهمه في قضاياه . زعم أن تكليف ما لا يطاق قبيح في العقل بالبديهة ، وهذا إنما هو في العقل الذي لا يعرف الطاقة غير القوة الظاهرة وهي الصحة ، وأما غيرها فليس كما يقول ، بل كلف اللّه صاحب موسى بما يعلم أنه لا يستطيع ، وكذلك تكليف ما يجهل مثله في البديهة قسمته ، فمثله الأول . ثم يقال له : وكذلك تكليف ما لا يطاق لوقت الفعل قبيح في العقل ، والذي ادّعيته من القبح إنما هو في عقول من يحيل وجود الفعل ولا قوة وذلك وقت الفعل ، فصار قوله عند التحصيل هو القبيح في العقل إن صدق فيما ادّعى ، ولا قوة إلّا باللّه . وأما الأصل أن تكليف من منع عنه الطاقة فاسد في العقل ، وأما من ضيع القوة فهو حق أن يكلف مثله ، ولو كان لا يكلف مثله لكان لا يكلف إلا من يطيع ، وليس ذلك شرط المحنة ، ولا قوة إلّا باللّه . وعندنا أن القدرة في الصحيح السّليم ؛ إذ هي تحدث تباعا على قدر حرص العباد واختيارهم وميلهم إليها ، فما لم يحدث لم يحدث بتضييعهم ؛ إذ آثروا بذله واختاروا الفعل الذي يدفعهم ، ولا قوة إلّا باللّه . وعلى مثل هذا التقدير عندنا وعندهم أمر الفهم والعلم ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم ذكر معنى يدل على سفهه فقال : لو جاز التفريق بين اللّه وبين ما يكون من غيره لجاز أن يكون الكذب من غيره يكون منه صدقا ، فلا أدري أي شيء دفعه إلى هذا الخيال ، وقد بيّنا بخروجه ذلك وتعنّته فيما ادّعى ، على أنه لا يخلو من أحد أمرين : إما أن يجعل كل شيء يعرفه في الشاهد من البشر حكمة أو سفها يقول به في الغائب ، أو ينظر إلى المعنى الذي له صار كذلك في التحقيق فنقول به في الغائب ، فإن قال بالأول لزمه ذلك في خلق ما لا ينتفع به ، وفي خلق الشيء من لا شيء ، وفي التعذيب من غير دفع ، ثم يقال نفسه في إجازته قوله بالكذب ، فمهما أجاب من شيء فذلك لازم له فيما قال ، وإن نظر إلى المعنى أبطل قوله ذا ببديهة العقل ، وذا لا يجوز له ، وهذا النوع من الخيال الذي لا أصل له فلا ، ومتى تدرك حقائق الأشياء ببداهة العقول ، وإنما العقول ركبت مميّزة بين مختلف الأشياء بمعانيها التي توجب الاختلاف ومؤلفة بين مجتمعها بمعاني توجب الجمع ، وذا حق الفكر والنظر ليوصل بهما إلى